تشمبيكاسي في أرض الحرية

على صوت نقيق ضفدع الفيليمودوسا كانت الفتاة السمراء تشمبيكاسي تزرع في حديقتها نبات الأواكا السامة التي تستخدم لصيد السمك ولكنها كانت تزرعها لتقتل زوجها! كنت أتمنى أن لا تتعرفوا على تشمبيكاسي بهذا الشكل… ولكن هكذا تبدأ قصتها…

ولدت تشمبيكاسي قبل ١٩ سنة في أدغال غابة الأمازون الممطرة بالقرب من نهر يافاري الذي يرسم حدود البرازيل والبيرو.
عند ولادتها لم يفكر والديها في إختيار اسم لها فأسموها على إسم جدتها تشمبيكاسي كما جرت العادة في قبيلة أبناء النهر (المايرونا) أن تسمى البنت على إسم أم والدتها أو أحد خالاتها ويسمى الولد على إسم أب والده أو أحد أعمامه.

ولا يحق لأبناء النهر إختيار أزواجهم فبعد تسميتها أتفق أبوها وعمها على تزويجها إبن عمها وكعادات قبيلتهم أصبح حماها الجديد يقوم بالصرف على زوجة إبنه منذ أيامها الأولى من تقديم مأكلها ومشربها وملابسها حتى وصلت سن البلوغ وتم الزواج.

وبعد الإحتفال بزواجهما سكن زوجها كباقي أزواج القبيلة في بيت حماه وأصبح يعمل عنده وكان والد تشمبيكاسي يثقل عليه في العمل والصيد ليجمعان اكبر عدد من العظام أمام مدخل منزلهم ليتباهى أمام افراد القبيلة بكثرة صيده، مما جعل زوجها يعاملها معاملة تكاد تخلوا من الرحمة.

ففي ذلك اليوم سمعت تشمبيكاسي صوت والدها عالياً من داخل الأدغال وهو يوبخ زوجها فقد عاد دون أن يصيد شيئاً فصفعه على رقبته اعلاناً لإنتهاء التوبيخ ليسقط زوجها على الأرض، سارعت تشمبيكاسي في خطاها نحو زوجها لتساعده في الوقوف ونفض غبار الارض عن وجهه متخطية والدها الغاضب، فما ان توارى الغبار بينهم حتى لكمها على وجهها بحجر بحجم قلبه.

سقطت تشمبيكاسي وأقسمت وهي تبكي أن لا تجعله يؤلمها بعد هذا اليوم.

كانت تشمبيكاسي أحد الـ ٣٪ من أفراد قبيلتها المكونة من ٩٠٠ شخص تقريباً ممن يستطيعون التحدث باللغة الأسبانية وكان لديها صديقتها الحميمة روزا فتاة بيضاء اللون شقراء الشعر، ووجود فتاة بيضاء شقراء بين هنود الأمازون ليس بأمر مستغرب لأن في حالة دخول شخص غريب من البيض في منطقة أبناء النهر سيقابل أحد المصيرين إما أن يقتل أو أن ينخرط بالإكراه في مجتمع المايرونا، فكانت روزا من المحظوظين الذين لم يقاوموا التعايش مع هذه البيئة الجديدة.

وبعد مرور عدة أيام كانت تجلس تشمبيكاسي بجانب روزا وهما يشاهدان مراسم احتفال الصيد حيث كانوا يعلقون ضفدع الفيليمودوسا من رجليه ويديه ليستخرج منه السم وعلى نغمات اهازيج افراد القبيلة أحضر والد تشمبيكاسي سكيناً حادة ونزع جزء من جلد ذراع زوج إبنته ووضع السم على الجرح!

أخذ أفراد القبيلة برفع أصوات أهازيجهم وأرتفعت أعين الصياد إلى الأعلى وأحس بالسم يجري في عروقه وهو مطمئن من أن السم لن يقتله، أخذ قلبة يخفق بشده ليدخل في نوبة من الهلوسة فيبتسم ثم يسقط على الأرض حينها همست تشمبيكاسي لصديقتها أتمنى أن لا يقوم هذا السافل من الأرض! ولم تكاد تنهي جملتها حتى وقف زوجها وأخذ بالرقص بطريقة هستيرية…

عندها أعترفت تشمبيكاسي لروز عن مخططها لتسميم زوجها مساءً بسم نبات الأواكا أثناء هلوسة زوجها حينها سيعتقد الجميع أنه مات بسبب سم الضفدع، رعبت روزا من هول الفكرة وأمسكت تشمبيكاسي اليائسة من شعرها ونظرت في عينيها وقالت لها:
“نحن الإحيائيون لا نقتل إلا عندما نجوع! إذا كنتي بهذا اليائس إذهبي إلى أرض الحرية ففيها من يستطيع أن يحررنا من إستعباد رجال قبيلتك!”
فردت عليها تشمبيكاسي بعد أن ابعدت يد روز عن شعرها ” وكيف أصل لأرض الحرية!؟ ”
أبتسمت روزا لها وقالت ” لا عليكي اتركيه اليوم وغداً سأرسم لك الخطة”
فكانت إجابة تشمبيكاسي “ولكن سأدع نبات الأواكا في حديقتي!” فردت روزا ضاحكة “لا تقلقي لن تحتاجيه أبداً”

وفي اليوم التالي طرحت روزا فكرتها على تشمبيكاسي وقالت لها “إطلبي مقابلة رئيس قبيلتنا الأم المتسيس وأطرحي عليه فكرة الذهاب إلى أرض الحرية لمقابلة رئيسة البيض وذلك ليتوقفون عن قطع شجر البلماري الذي هو سبب بقائنا أحياء”
فقاطعتها تشمبيكاسي “ولكن ماذا لو قال ولمَ أرسلكِ أنتِ؟!”
فردت عليها روزا بإبتسامه ثقة “قولي له لأنك رجل وكيف لرجل أن يطلب من إمرأة شيئاً أنت أعلى مقام منها!”

وفعلاً ذهبت تشمبيكاسي لرئيس قبيلة المتسيس مانويل كولانتيس وخرجت منه بأمر أن تذهب تشمبيكاسي إلى أرض البيض لتقابل رئيستهم وقال لها “إذهبي مع الراهبة إلى شخص يدعى الدكتور دان جيمس بانتون فهوا صديق لي وسيساعدك هناك”

وفعلاً عند وصول أول قارب للسياح والبضائع ركبت تشمبيكاسي القارب وكان بجانبها راهبة كانت قد درستها قبل ثمان سنوات وقد طلب منها الرئيس كولانتيس أن تساعد تشمبيكاسي في مهمتها في المدينة، أخذ القارب في التسارع و ودعت بنظراتها الحزينة قريتها ووضعت الراهبة معطفاً على كتيفيها لتحيمها من هواء النهر الرطب.

وفي الطريق للمدينة علمت تشمبيكاسي من السياح أن أسم أرض الحرية هو أمريكا وأنها ستسافر لمدينة أسمها ديفيس في ولاية كاليفورنيا وأن لغتها الأسبانية ستساعدها هناك وأن رئيس أمريكا رجل وليس إمرأة ولكنها حاولت اقناعهم بما تعتقد أن رئيس البيض هو السيدة البيضاء هيليري وأوباما هو رئيس السود.

وأحتفظت تشمبيكاسي أثناء رحلتها الطويلة بمعطف الراهبة وعند وصولها لمطار لوس أنجلوس الدولي مرت في ممرات المطار والرعب يصيبها من نظرات البيض تجاوزت جميع عقبات المطار لتدخل ارض الحرية الى شمس كاليفورنيا الحارقة فتزيل معطف الراهبة وما هي إلا ثواني ليصرخ عليها أفراد شرطة المطار من كل جانب ويتجمهر عليها المسافرون ضاحكون…

وفي غرفة سجن شرطة المطار عرفت من المترجم الأسباني أنها متهمة بتهمه إسمها indecent exposure أو التعرض الغير لائق وذلك لأنها كانت تمشي أمام العامة عارية الصدر كما كانت في ارضها فقالت له “ولكن الكثير من الرجال هنا كانوا عراة الصدر!”
فقال لها “هنا الرجال يملكون حقوقاً غير حقوق النساء”.

حينها فقدت تشمبيكاسي الأمل في أرض الحرية فأصبحت ترى أرض الحرية كما يرى البيض أرضنا. أرض عدم المساواة بين الجنسين وإنعدام الحرية.

*جميع الحقائق والمعلومات والأسماء في القصة حقيقية ولكن أحداث القصة من نسج الخيال

13 تعليق على “تشمبيكاسي في أرض الحرية

  1. كلمات رائعة ومؤثرة وجهد رائع مبذول يعبر عن وجهة نظر صاحبة
    استمر و بالتوفيق

  2. صحيح عندما نبحث عن الحرية بطريقتنا الخاصة أو كما نتخيلها ونريدها

    تصبح وهم

    بس واللهي القصة رائعة :)

  3. سردك جميل.. وأعجبتني القصة..

    لكن هذه الجملة:
    “ولكن ماذا لو قال ولما أرسلكي أنتي؟!”
    هكذا تُكتب: “ولمَ أرسلكِ أنتِ”

    موفق

التعليقات مغلقة.