في عصر يوم الحادي عشر من سبتمبر في عام ٢٠٠١ كنت في فيلا صديقي وشريكي باسل حوراني، وكنت أقلب قنوات التلفزيون ووصلتني رسالة جوال من صديقي ياسين يبلغني أن طائرات مخطوفة وأحدها اصطدمت بناطحة سحب في مدينة نيويورك!
بعد الرسالة إستقريت على قناة CNN وبان أمامنا أحد البرجين يشتعل بالنيران وكنا مبهورين بما نشاهد! وكذلك كان مذيع قناة CNN لا يعرف ماذا يقول! الجميع مذهولين. وما هي إلا دقائق شاهد الجميع الطائرة الثانية تصطدم بالبرج الثاني!
كانت مشاعري في حينها مختلطة فكنت حزين على الذين يرمون بأنفسهم من أعلى الطوابق خوفاً من الاختناق بسبب الدخان وأو الاحتراق بسبب النار، وسعيد لأن من كنا نقاطعهم لدعمهم الأعمى لإسرائيل جرح كبريائهم.
بعدها انتقلت عمليات القاعدة إلى مدينتي الحبيبة الرياض وكنت وقتها أقول في نفسي:
هؤلاء “المجاهدين” الصغار يفجرون أنفسهم طمعاً في الجنة بعد ملئ قلوبهم اليأس في الدفاع عن إخوانهم في فلسطين وأفغانستان. ولكن يجب أن تكون أهدافهم خارج بيتهم! ولا يستهدفون المدنيين!
وفي صباح يوم الثالث عشر من رمضان في عام 1424هـ، كنت في الطريق إلى سكن صديقي وشريكي باسل كان لدينا موعد مع الدكتور عبد العزيز المقوشي أمين عام الغرفة التجارية الصناعية بالرياض بخصوص دراسة مهرجان صيفي في الرياض.
عند وصولي للسكن وقفت أمام البوابة لانتظر خروج باسل وكان بجانبي سيارة شرطة تراقب المجمع السكني مع قوات الحرس.
وعند مراقبتي للبوابة في انتظار باسل مرت سيارة جيب صغيرة (ربع) على هيئة سيارات جيب الجيش بنية اللون وقائد السيارة يلبس ملابس رياضية! وكان ملتحي ومر ببطء أمام البوابة وكان يتابعها باهتمام فشككت في أمره والتفت إلى سيارة الشرطة لأرى إذا كان الشرطي شاهد ما شاهدت، وهل علي أن أخبره بشكي في الشخص الذي مر بسيارته أما البوابة أم لا؟
وفي أثناء التفكير والتردد وصل باسل للسيارة واتجهنا للغرفة التجارية.
وفي الطريق تناقشنا عن ترتيبات نقل أثاث بيته مساءً إلى مقر سكنة الجديد في جدة.
وبعد صلاة التراويح في ذلك المساء رجعت للمجمع السكني لمساعدة باسل مع العمال لنقل أثاثه.
وعند البوابة سلمت على عصام مكي الدين أحد حراس البوابة الطيبين من دولة السودان الحبيبة وسلمته رخصة قيادتي ليسلمني قطعة بلاستيكية بدل رخصتي لإستبدلها برخصتي عند خروجي.
وصل العمال الثلاثة ليقوموا بنقل الأثاث ووضعه في صناديق، وأخذنا أنا وباسل نتذكر أوقاتنا الجميلة في هذا المجمع حيث أن ٩٩٪ من سكانه عرب وأكثرهم لبنانيين ومر علينا جار باسل وتناول القهوة وهو فلسطيني طيب جداً بنته وزوجته لا تفكان الحجاب ودائما المصحف في يدهم في رمضان وفي غير رمضان، وهو وأولاده الثلاثة لا يفوتون صلاة الفجر في وقتها في مسجد المجمع، وأخذ جار باسل يودع باسل ويدعوا له بالتوفيق في جدة.
بعد وداع الجار الطيب أكد باسل حجزه في فندق الفيصلية حيث أنه سيبيت الليلة فيها ويسافر غداً لجدة، وعند الساعة ١٢ صباحاً خرج باسل ليعد الصناديق في سيارة النقل ولمح فوق الجبل المقابل لبوبه المجمع السكني خيال لرجال وتجاهلهم لأن من عادة الكثير الجلوس فوق الجبل للاستجمام.
وبعد دخوله جلس مقابلي وسمعت فرقعة ألعاب نارية
وقال لي “سمعت اللي سمعتوه؟”
قلت له “إيه هاذي طراطيع حقت العيد بادين بروفات من ألحين!”
قال “لا لا هذه مو أصوات فوتيش شكله تفجير يا رائد!”
قلت “لا يا شيخ ما عندك سالفه يمكن يكون باص خط البلدة مديها نمره ورا”
حينها سمعنا صوت تبادل إطلاق نار رشاشات صغيرة ويرد عليها رشاش كبير.
بعد ذلك جمعت العمال وأخذتهم للحديقة الخلفية للفيلا لأني اعتقدت بما أننا الفيلا أمما بوابة المجمع مباشرةً فإن المهاجم الانتحاري سيدخل المجمع ويفجر سيارته المفخخة مباشرةً لذا فإن المكان الأكثر أماناً مكان هو الحديقة الخلفية لنكون بعيدين عن البوابة ونكون خارج المنزل لكي لا ينهار فوق رؤوسنا!
أما باسل فأعتقد أن المكان الأكثر أماناً هو داخل المنزل فكنت في الحديقة مع العمال وهو في صالة بِجَانِبِنَا ورصاص الرشاشات أسمعه يطير فوقي. ونسمع صوت عجلات سيارة في الخارج تبدوا مسرعة.
وفي أثناء محاولة باسل لإدخالنا للداخل احمرت السماء من فوق ودوي انفجار أصاب إذني بالطنين وهواء حار جداً أتى من داخل المنزل دافعاً باسل إلينا في الحديقة.
وأخذت السماء تمطر زجاجاً وأحجاراً صغيرة وألعاب أطفال وربما بعض الأشلاء لبريئين أو أشلاء مجرمين.
وفي صمت وإذني لا تسمع إلا الطنين وشفتاي تكرر الشهادة، ووقف الطنين وكان بديلاً عنه صراخ أطفال وبكاء أمهات ونحيب رجال ممزوجاً بطلقات الرشاشات التي لا زالت تطير فوق رأسي وكان فوق الجبل المخدوعون يكبرون بنجاح عمليتهم فكانوا يعتقدون أن من كان يصرخ هو عملاء الـFBI والـCIA وهم يجهلون أن من كان يصرخ هم أطفال فلسطينيين ولبنانيين من أعداء إسرائيل!
تفقدت أطرافي لأرى مدى الضرر وكم طرفاً فقدت ولله الحمد جميع أطرافي كانت في مكانها والعمال الثلاثة كانوا بخيرٍ أيضا أما باسل لم يصبه شيء من جراء طيرانه وسقوطه على عشب الحديقة.
ما زال رصاص الرشاشات يطير من فوقنا ولكن بشكل متقطع وأخذ هاتفي يرن أخرجت الهاتف من جيبي وكانت أمي المتصل (قلب الأم دليلها) ترددت في الرد، هل أرد وقد تسمع صوت الرصاص؟ أم تجاهل المكالمة وأتصل عليها عند هدوء كل شيء؟
قررت أن أرد فربما يكون هناك تفجيرٌ آخر أموت فيه أو يكون أحد الضالين المخدوعين يتجول في المجمع ويقتل كل من يرى كما حدث في مجمع الحمراء.
اتخذت قراري بالرد وشجعني على ذلك وقوف صوت الرصاص.
حاولت أن يكون صوتي عادياً ومتفائلاً “هلا أم ماجد وشلونك؟”
فردت وكان القلق واضحاً على صوتها “هلا رائد وينك فيه؟”
وبكل ثقة جاوبت “أنا في سوبر ماركت مع باسل نشتري بعض الأغراض”
رجع إطلاق النار وتمنيت أن لا تنبه أمي لصوت الرشاشات فحاولت بتغطية صوت الرشاشات بكلامي فلقت لها “تبين شي من السوبر ماركيت؟ من زمان ما شربنا قمر الدين أجيب معي؟”
فردت “لا جبنا قمر دين، بس سمعنا تفجير وحنا في البيت وقلت لا يصير حول بيت باسل” (بيتنا يبعد عنا مكان التفجير حوالي ٣٠ كيلومتر)
رديت “لا ما سمعنا شي بس إنا لله وإنا إليه راجعون، الله يستر بس”
قالت “آمين، لا تتأخر على السحور في أمان الله”
رديت “في أمان الله”
انتهت المكالمة بسلام ولم تنتبه لصوت إطلاق النار.
أخذت المكالمات تنهمر علي بعد ذلك وقررنا الاختباء في المطبخ لاحتمال وجود أحد الضالين المخدوعين يتجول في المجمع حاملاً رشاشه.
عند وصولنا للمطبخ سمعنا صوت خطوات أقدام تمشي على أوراق الشجر الجاف فطلبت منهم السكوت وأطفئت نور المطبخ وخرجت لأنظر من يمشي خلف الفيلا…
كان أحد العاملين من المصريين في إدارة المجمع يمشي وهو يردد “لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله” وكنت فرحاً بأنه ليس أحد المدججين بالسلاح يبحث عن بريء يقربه للجنة، فقلت له “الحمد لله على سلامتك!” لم يلتفت لي وكمل ما يقول ومضى ماشياً “لا حول ولا قوة إلا بالله، لا حول ولا قوة إلا بالله”…
رجعت للمطبخ وبشرت الموجودين أن الوضع آمين، وأشعلت نور المطبخ ووصل لباسل اتصال من الـmbc ليعمل في ذلك اليوم فقط مراسلاً لصالح المحطة!
وطلبوا مني الـmbc إن يقدموني كشاهد عيان ولكني رفضت خوفاً من أن تسمع إمي صوتي في الإذاعة ويصيبها الهلع!
وبعدها ظهور صوت باسل في قناة الـmbc وإذاعتها أنهالت الاتصالات علينا للاطمئنان من الأصدقاء وما زلنا في المطبخ وكان صوت إطلاق النار قد توقف، ودخل الفيلا أحد رجال إطفاء للاطمئنان علينا وخرجنا من الفيلا وكانت سيارات المطافئ والإسعاف تدخل وتخرج بدون توقف وأطفال ونساء ورجال مغطين بالدم وصعب التعرف عليهم من تأثير جروح الزجاج على أوجههم. جار باسل الفلسطيني كان بصحة جيدة هو وزوجته وأولاده وبنته وكان الحجاب ما زال على رأس ابنته وزوجته اتجهت للبوابة لأخذ إقامات العمال الثلاثة ورخصتي من عصام مكي، ولكن عصام كان جثة هامدة وزملائه يترحمون عليه ويدخلونه الكيس المخصص للمتوفين.
ترحمت عليه وأخذت رخصتي وإقامات العمال.
ذهبت إلى سيارتي وفي الطريق كان الظلام دامس وكنت أدوس على بقايا مباني وأشياء أحسست بأنها شبه مطاطية كنت أتمنى أن تكون قطع من كفارات وليس قطع من ناس، وصلت للسيارة وكانت لم تصب حتى بخدش بسيط. فتحت السيارة وقدتها جهة البوابة وركب باسل بجانبي وبعد البوابة ركب معنا ٣ من العاملين في مطعم وكوفي شوب المساء حيث لم يكن لديهم سيارة واتجهنا جهة الحاجز الأمني وقدت متعدياً الحاجز وأخذ الشرطي يصرخ “وقف! وقف!” وأشار بمسدسه جهتي!
أوقفت السيارة! وقلت في نفسي لم أمت من تفجير يبعد عني ١٥ متر وأموت برصاصة شرطي!
فركض شرطي في اتجاهنا وهو يشير بمسدسه علي وأنا لا أعرف هل أخرج من السيارة رافعاً يدي أم أجلس فيها منتظراً؟!
وصل الشرطي لنافذتي ليقول لي “روح أمشي أمشي” فأكدت له “أروح خلاص؟!” قال “أمشي أمشي تحرك!”
أكملت طريقي متجهاً لمقهى المساء في شارع التحلية وأنزلنا الثالثة وأكملنا طريقنا تجاه فندق الفيصلية حيث كان هناك غرفة تنتظرنا، دخلنا الغرفة وأخذ كل منا ينظف رأس الأخر من الزجاج وتفقدنا أطرفنا ولم نصب بخدش واحد.
وصل صديقي محمد بخش وعصام بكّر للغرفة واطمئنوا علينا وبعدها رجعت للبيت وكنت أنظر للسماء وكان القمر مخسوفاً في تلك الليلة وكان مسجدنا يصلي صلاة الخسوف وسلمت على أمي وأبي (رحمة الله) وكانوا يشاهدون أثار الدمار على شاشة التلفاز.
فجلست معهم وقلت لهم “أنا كنت هناك” فداروا برؤوسهم علي ثم أكملوا مشاهدة التلفاز…
ثم قلت لهم “هذا المجمع اللي ساكن فيه باسل وأنا كنت هناك وقت التفجير” لم يلتفتوا علي هذه المرة فكانوا تحت تأثير الصدمة… بعد مشاهدتي للدمار الذي حدث على التلفاز فقت من صدمتي وأيقنت أنني ولدت من جديد… دخلت غرفتي شكرت ربي… استحممت… ودخلت لفراشي لأنام.
منذ ذلك اليوم لم أدخل للمجمع وكان عندي فوبيا من الأصوات العالية مثل أصوات الألعاب النارية استمرت الفوبيا لمدة ثلاث أشهر تقريباً، ولا تزال القطعة البلاستيكية التي أعطانيها عصام رحمة الله معي في سياراتي.